السيد محمد الصدر
384
تاريخ الغيبة الصغرى
أنها توجد بوجوده وتنعدم بانعدامه . فهي موجودة في المرتبة الثالثة وما بعدها بوجود الاختيار في هذه المراتب جميعا . نعم ، قد يكون الفرد العادي معذورا في بعض مراتب الاكراه أو الاضطرار الشديدة ، بالرغم من أنه يعتبر عاصيا بالدقة العقلية . كما أنه مع سعة الوعي وعمق الأثر ، قد لا يكون الفرد معذورا حتى في هذه المرتبة ، بل يجب عليه تحمل الشدائد في سبيل أهدافه . خذ مثلا أن فردا عاديا إذا اضطر إلى سرقة شيء من المتاع أو أكره عليه كان معذورا . . . ولكن لو أكره الرئيس الأعلى للدولة أو أحد علماء الاسلام على مثل هذه السرقة ، لا يكون معذورا البتة ، لأن في ذلك افتضاح دولته أو دينه ، بل يجب عليه تحمل ما يكره والصبر عليه . حتى لو كان هو القتل - أحيانا - إذا كان الهدف من العمق والشمول ، بحيث تبذل في سبيله النفوس . وتتضاءل المسؤولية ، بنقصان الاختيار ، ففي مورد القصور - مثلا - تكون المسؤولية منتفية إلى حد كبير . لكنها في مورد الاضطرار غير المباشر تكون ثابتة على شكل ناقص ، لإمكان أن يتصرف الفرد بشكل يختلف عما قام به من عمل ، ويكون رد فعله تجاه الحافز بشكل آخر . وتكون المسؤولية كاملة في صورة الاختيار المطلق ، بطبيعة الحال . وليس تفاوت درجات المسؤولية ، بدعا من القول . بل له أمثلة كثيرة في القوانين . فمثلا : قسموا القتل إلى عمد وشبه العمد والخطأ . ووجدوا من الظلم إيقاع عقاب المتعمد على شبه العمد أو الخاطئ . كما أنهم قسموه إلى ما كان عن سبق إصرار وما لم يكن . ووجدوا من الظلم إيقاع العقاب الذي يستحقه الأول على الثاني . ووجدوا من الظلم - أيضا - إيقاع عقاب السارق الاعتيادي على السارق في المجاعة . ونجد في الاسلام أن عقاب الزاني المحصن أشد من عقوبة غير المحصن . إلى غير ذلك من الأمثلة . كل ذلك لأن درجة الاختيار أخذت بالتضاؤل ، فتضاءلت معها المسؤولية ، ومن ثم درجة استحقاق العقاب . ولك من المثالين الأخيرين خير إيضاح ، فان درجة اختيار السارق العادي في ترك السرقة أكبر منها في السارق الجائع الذي لا يجد قوتا . . . وإن كان الأخير